ثقافة بقلم الدكتور أحمد المناعي: محمد الغنوشي …كما عرفته
بقلم: رئيس المعهد التونسي للعلاقات الدولية الدكتور أحمد المناعي
عرفت في حياتي ومنذ شبابي ثلاثة أشخاص يحملون لقب الغنوشي. كان أولهم محمد الغنوشي الذي تولى عديد المسؤوليات الوزارية وختمها بالوزارة الأولى حتى فيفري 2011.
وثانيهم محمد المازري الغنوشي أستاذ العربية والترجمة وثالثهم راشد الغنوشي الذي اكتشفت بعد خمسين سنة من لقائي الأول به أن اسمه الحقيفي هو الخريجي.
ومن الصدف الغريبة أني عرفت ثلاثتهم في شهر أكتوبر ولكن في سنوات متباعدة. فقد عرفت محمد في سنة 1955 في سنتي الأولى في المعهد الثانوي للذكور بسوسة والمرحوم محمد المازري الغنوشي في 1957 عندما كان أستاذي في مادتي العربية والترجمة في السنة الثالثة. كان مثالا للطف والتواضع ولا أذكر يوما أن رفع صوته على تلميذ أو نهر تلميذا أو عاقب تلميذا. كان بحق صديق لكل تلامذته ولم يكن ذلك بالمعهود في ذلك الزمن. هو الذي حببني في اللغة العربية وفي فن الترجمة على وجه الخصوص. ولقد احتجت عديد المرات لهذه الصناعة في حياتي ولجأت اليها لأول مرة في الجزائر في سنة 1964 عندما دخلت مترجما فرنسي- عربي في جريدة الشعب بالجزائر ثم في فرنسا بداية من سنة 1991 وقد احتجت للترجمة في نطاق النشاط النضالي أو لضمان أسباب العيش. وكنت كلما أترجم مقالا أو كتابا أتذكر سيدي محمد الغنوشي وأترحم عليه.
أما راشد الخريجي شهرالغنوشي فقد التقيته اول مرة في جامع باريس بداية شهر أكتوبر سنة 1968.
عودة الى محمد الغنوشي
جيلي الذي هوجيل محمد الغنوشي عاش أحداثا تاريخية كبرى فيما بين 1955و1962 . فقد عشنا أواخر العهد الأستعماري ثم عشنا عودة الزعيم في 1 جوان 1955 ثم الأعلان عن الأستقلال في 20 مارس 1956 وعشنا الأعتداء الثلاثي الغاشم على مصرفي نفس السنة وحرب التحرير في الجزائر ثم معركة بنزرت- 1961- التي تطوع فيها عدد من تلامذة المعهد وكنت منهم وعشنا الوحدة بين مصر وسوريا في 1958 ثم الأنفصال بينهما في 1961ثم عشنا استقلال الجزائر في 1962.وكلها عوامل جذرت انتماءنا لوطن اسمه تونس مقاوم للاستعمار ومتواصل ومتضامن مع محيطه العربي والأفريقي. كان ذلك هو الأنتماء الوحيد الذي كنا نفخر به ولم يكن فينا شيوعي اواشتراكي او قومي او اخوانجي. فذاك سيأتي فيما بعد. كنا مسلمون ومعنا بعض المسيحيين واليهود تونسيين وفرنسيين ولم يكن فينا من كان يروج لدينه ويدعو له. كان فينا من كان يصلي وأغلبنا لا يصلي وكان فينا من لا يصوم رمضان ولكن الأغلبية كانت تصوم ولم يكن فينا من يكفر غيره …..
قضيت سبع سنوات من سنة 1955 الى سنة 1962 في المعهد الثانوي للذكور بسوسة الجنب في الجنب والركبة في الركبة مع محمد الغنوشي.كنا معا في نفس الشعبة -الصادقية -وفي السنة الثالثة عندما يفترق التلامذة بحسب اللغة الثالثة(انجليزية أو ايطالية أو المانية) اخترنا اللغة الأيطالية كلغة ثالثة وفي سنة 1961 نجحنا معا في الجزء الأول من شهادة الباكالوريا واخترنا معا العلوم التطبيقية ونجحنا معا في الجزء الثاني من شهادة الباكالوريا سنة 1962.
علقت يذاكرتي صوركثيرة واضحة ودقيقة عن الكثير من رفاقي في المعهد وبالخصوص عن الطفل والشاب محمد الغنوشي خلال تلك السنوات السبع. يمكن ان نصنف التلامذة آنذاك بحسب مقاييس كثيرة وأهم شيء عندي هي طبيعة العلافات مع الرفاق والأصدقاء والتصرفات فيما بينهم في القسم وفي ساحة اللعب.
محمد الغنوشي كان من التلامذة العقلاء. كان رصينا أكثر من اللزوم بالنسبة لعمره ولا أذكر أنه شاغب أحدا أو شاكس أحدا أو تضارب مع أحد ففي حصة الراحة لم يكن يبتعد عن قاعة الدرس بل كان دائما بجانب القوس.
أكتوبر 1962 عام الباكالوريا
محمد الغنوشي بقي في تونس والتحق بكلية الحقوق والاقتصاد
بتونس ثم التحق بالمدرسة العليا للإدارة وكان بإمكانه أن يذهب حيث أراد فكل الأبواب كانت مفتوحة والافاق واسعة. ربما لأسباب عائلية كنت أجهلها. بينما اخترت أنا الخروج الى فرنسا …..
لم نلتق الا في نهاية 1969 بعد رجوعي النهائي من فرنسا. فأعدت ربط الصلة. كان محمد وقتها في كتابة الدولة للتخطيط في القصبة وكان مكتبه مقابل المكتب الذي سيرثه في الوزارة الأولى وكنت أمر عليه دون موعد كلما أزور الديار. ثم تباعدت الزيارات فقد تحولت للتدريس في جامعة قسنطينة في الجزائر على مدى سبعينات القرن الماضي ثم تحولت الى المغرب وفي تسعينات القرن تحولت الى افريقيا الشرقية وبقي هو حيث بدأ لا يتغير عنده سوى السلم الوظيفي بينما أنا البدوي في ترحاله بين البلدان.
وكان اخر اتصال هاتفي لي بالصديق محمد الغنوشي في شهر جانفي 1990. فقد جئت الى تونس يومها على رأس وفد لخبراء من رئاسة الحكومة البوراندية –ممولة من الأمم المتحدة-واستقبلنا السيد محمد الناصر رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي وأطلع الوفد عن دور المجلس في النظام السياسي التونسي واستقبلنا أيضا الصديق المرحوم عامر الحرشاني كاتب الدولة للموارد المائية واتصلت بسي محمد الغنوشي لأطلب منه تمكيننا من مقابلته وأحسب أنه كان وقتها على رأس وزارة التخطيط والمالية ولكنه اعتذر بكل لطف لكثرة مشاغله وضيق وقته. وكان على حق فطلبي كان لنفس اليوم..لأن الوفد راجع لبلده من الغد.
سنة 1991 كانت سنة القطيعة مع النظام ولكني استثنيت أصدقائي ومعارفي فيه. وقد كتبت رسائل أطلعتهم فيها على ما عشته في وزارة الداخلية ولكني لا أعتقد أنها وصلتهم.
وظللت أتابع نشاط محمد الغنوشي وأنا واثق من أن انجازاته كانت حقيقية. في سنة 1997 حضر الى باريس الاقتصادي محمود بن رمضان بدعوة من الأستاذ مشال كامو وتحادثت معه مطولا …وطمأنني بالخصوص في قضيةرمصداقية الأرقام والاحصائيات
…

ماي 2000
صباح يوم 3 ماي 2000 دعتني « إذاعة فرنسا الدولية » لحديث مطول حول الأزمة التي عاشتها تونس جراء قضية توفيق بن بريك الذي دخل في اضراب عن الطعام …. ذكرت فيما ذكرت » أن من واجب كل أصدقاء الرئيس بن علي كل الذين ساندوه على مدى السنوات الفائتة أن ينصحوه بتحضير رحيله. أنا لا أنادي بالتدخل في .الشؤون الداخلية التونسية ولكن أدعو الحكومات وأصدقاء بن علي أن …..
Ahmed.Manai. Le devoir de tous les amis de Ben Ali, ceux qui l’ont soutenu durant ces nombreuses années, est de lui conseiller de préparer son départ. Je n’appelle pas à l’ingérence dans les affaires intérieures de la Tunisie, mais j’appelle les gouvernements et les amis de Ben Ali à profiter de ce qu’il ait un premier ministre respecté dans le pays et à l’étranger, pour le nommer à la tête d’un gouvernement provisoire et de lui céder le pouvoir. M. Mohamed Ghannouchi peut très bien assurer une transition de deux ans et engager le pays dans un processus de réconciliation et de démocratisation. Cela doit se faire rapidement, parce que le pays ne peut plus souffrir ce régime et risque l’explosion à tout moment.
le 3 mai 2000 à 8h30
فيفري 2011
يوم أهان الخريجي الغنوشي على المباشر
هناك صورة لن تمحى من ذاكرتي الى اخر يوم في حياتي لأنها أبكتني ونادرا ما أبكي. في أواخرفيفري 2011 رأيت الوزير الأول الأسبق محمد الغنوشي يتقدم ببطئ في شيئ من التردد وربما من الخوف لملاقاة راشد الخريجي فيصافحه ويحاول أن يعانقه فاذا بالأخير يصده بيده اليسرى بكل صلف وبكل الحقد الذي غذاه على مدى عقود لكل ما هو وطني.
سبحان الله متامر وأكبر مخرب للمجتمع وأشطر تاجر دين وانقلابي فاشل لم ينجح الا في الانقلاب على حركته سنة 1992يحتقرويهين رجلا في حجم محمد الغنوشي أحد بناة اقتصاد تونس ومسؤول سياسي برهن طول حياته على استقامته ونزاهته ونظافة يديه قبل أن تتحول نظافة اليدين الى شعاردعائي وبرهن بالخصوص على كفاءته وحسن ادارته للشأن العام.